أحمد بن علي القلقشندي

47

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( كارِهُونَ ) * ( 1 ) واصطفاك لإقامة الدّين وقد اختلفت الأهواء في تلك المدّة ، ولمّ بك شعث الأمّة بعد الاضطراب فكان موقفك ثمّ موقف الصّدّيق يوم الرّدّة . ويشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، شهادة حاكم بأمره ، مستنزل لك بالإخلاص ملائكة تأييده وأعوان نصره ؛ مسترهف بها سيف عزمك على من جاهر ( 2 ) بشركه وحاربه بكفره ، معتصم بتوفيقه في تفويضه إليك أمر سرّه الذي استودعه في الأمّة وجهره ؛ ويصلَّي على سيدنا محمد رسول اللَّه الذي استخرجه اللَّه من عنصره وذويه ، وشرّف به قدر جدّه بقوله فيه : « عمّ الرّجل صنو أبيه » وأسرّ إليه بأنّ هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه ؛ وعلى آله وصحبه والخلفاء الراشدين من بعده ، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون ، وجاهدوا أئمة الكفر الذين لا أيمان لهم والذين هم بربّهم يعدلون ؛ وسلَّم تسليما كثيرا . وإنّ أمير المؤمنين لما آتاه اللَّه من سرّ النبوة ، واستودعه من أحكام الإمامة الموروثة عن شرف الأبوّة ؛ واختصّه من الطاعة المفروضة على الأمم ، وفرض عليه من النظر في الأخصّ من مصالح المسلمين والأعمّ ؛ وعصم آراءه ببركة آبائه من الخلل ، وجعل سهم اجتهاده هو المصيب أبدا في القول والعمل ؛ وكان السلطان فلان هو الذي جمع اللَّه به كلمة الإسلام وقد كادت ، وثبت به الأرض وقد اضطربت بالأهواء ومادت ؛ ورفع به منار الدين بعد أن شمخ الكفر بأنفه ، وألَّف به شمل المسلمين وقد طمح العدوّ إلى افتراقه وطمع في خلفه ، وحفظ به في الجهاد حكم الكتاب الَّذي * ( لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه ) * ( 3 ) ؛ وحمى به الممالك الإسلاميّة فما شام الكفر منها برق ثغر إلَّا رمي من وباله بوابل ، ولا أطلق عنان طرفه إلى الأطراف إلا وقع من سطوات جنوده في كفّة حابل ؛ ولا اطمأنّوا في بلادهم إلا أتتهم سراياه من حيث لم يرتقبوا ، ولا ظنّوا أنهم ما نعتهم حصونهم من

--> ( 1 ) التوبة / 48 . ( 2 ) في مآثر الإنافة : « جاهره » . ( 3 ) فصلت / 42 .